الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

54

الجمرات في الماضي والحاضر

( أي محل اجتماع الحصى ) في مقابله ، ومن هنا كان التعبير بكلمة ( وجه ) ، وكذلك فإنّ التعبير بقوله ( من أعلاها ) مفهومه أنّهم يصعدون إلى أعلى المحل ويرمون الجمرة من هناك . ومن هنا تتضح نكتة أخرى قد يتعجب منها البعض ، وهي أن المرحوم العلّامة الحلّي ذكر في « المنتهى » : « عن الجمهور ان عمر جاء والزحام عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها » « 1 » . حيث كان تعجبهم انه لا بدّ من وجود عمود هناك وأنّ عمر صعد إلى أعلى العمود وأخذ يرمي أسفله في حين أن معنى الحديث هو أنّه : « نظراً إلى أن أسفل الجمرة ( إلى جانب الوادي ) كان الزحام شديداً ، فلذلك توجه عمر إلى أعلى ذلك المكان وأخذ يرمي الجمرة منه ، أي يرمي بالأحجار على مركز اجتماع الحصى في حين أنّ الحكم الشرعي يقتضي أن يقف إلى الأسفل ويواجه الجمرة من هناك » . وأمّا ما يتصور البعض أنّ مفهومها هو أن عمر وقف على العمود وأخذ يرمي بالأحجار من هناك فإنّه وبقليل من التأمل والدقة يتبين لنا أن أي عاقل لا يرتكب مثل هذا العمل . لأنه على فرض أن الزحام كان شديداً حول الجمرة ( وفرضنا أن الجمرة هي العمود ) وكان الناس يرمون ذلك العمود باستمرار وحينما يتوجه شخص إلى ذلك العمود ويريد أن يصعد عليه ويرمي سبع حصيات هناك ثمّ ينزل ويعود إلى مكانه ، فمن المعلوم أن مثل هذا الشخص سيتعرض لاصابات

--> ( 1 ) . المنتهى ، ج 2 ، ص 732 .